يروي لنا التاريخ الإسلامي قصة العديد من الرجال العظماء؛ بعضهم اشتهر بعلمهم وفهمهم، وبعضهم بجرأتهم، لكنَّ أحداً لم يشتهر كمرشدٍ للأمة بعد انهيارها الروحي والعلمي كما اشتهر مجدد القرن الخامس، حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي النيسابوري، رحمه الله.
ولد في “طوس” عام 450 هـ. كان والده غزّالاً بسيطاً، لكنه كان شديد المحبة للعلم والعلماء، يحضر مجالسهم وحلقاتهم، ويسأل الله أن يرزقه ابناً فقيهاً وواعظاً، وكان الغزالي -رضي الله عنه- برهاناً على قبول دعائه.
ولمّا حضرت الوفاةُ والده، عهد بأبنائه إلى صديق له من الصوفية، ودفع إليه شيئاً من المال لينفق عليهما، فبدأ الغزالي دراسة الفقه والتصوف وغيرهما من العلوم. وبعد أيام قليلة نفد المال الذي تركه والده، واستعسرت عليهما الحياة، فأرشدهما الأستاذ للذهاب إلى مدرسة لطلب العلم تضمن لهما القوت، فأكمل دراسته في وطنه.
ثم ارتحل إلى “جرجان” واكتسب مهارة في القرآن والفقه واللغة العربية على يد العالم الكبير الإمام أبي النصر الإسماعيلي. وبعد مدة، قرر العودة إلى وطنه، وفي الطريق اعترضت عصابةٌ من اللصوص القافلة التي تضم الغزالي، واستولوا على “التعليقات” (الكراريس) التي كتبها خلال دراسته. فذهب الغزالي إلى زعيمهم يطلب استردادها، فقال له اللص ساخراً: “كيف تدّعي أنك تعلمت ما فيها؟ لقد أخذناها منك فبقيت بلا علم!”.
وقع هذا القول في نفس الغزالي موقعاً بليغاً، وقال في نفسه: “هذا مُستنطقٌ (أي أن الله أنطقه ليعظني)”. وتعهد قائلاً: “لن أعتمد على ورقة أو كتاب أبداً، بل سأحفظ كل ما أتعلمه”. وبالفعل، عاد إلى وطنه وانشغل بحفظ كل ما كتبه حتى استظهره عن ظهر قلب.
ارتحل بعد ذلك إلى “نيسابور” حيث المدرسة النظامية، وواصل دراسته مع الأستاذ الكبير إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وأتقن المنطق والفلسفة وغيرها. وكان الأستاذ يقول عن تلميذه الغزالي: “الغزالي بحرٌ مُغرق”. وبعد وفاة الجويني عام 478 هـ، اتجه الغزالي إلى وزير الدولة السلجوقية “نظام الملك”، فأُعجب بعلمه وبلاغته، وعيّنه مدرساً في المدرسة النظامية ببغداد عام 484 هـ، فذاع صيته وبلغ شأناً عظيماً.
لكنه واجه نداءً داخلياً يهز قلبه، فبدأ رحلته الروحية بحثاً عن الحقيقة واليقين. غادر بغداد عام 488 هـ متوجهاً إلى الشام، فاعتكف في المسجد الأموي بدمشق مدة طويلة، ثم ارتحل إلى فلسطين ومكة والمدينة ومصر، قبل أن يعود أخيراً إلى وطنه “طوس”. هناك أسس مدرسة وزاوية (خانقاه) للعبادة، وقضى بقية حياته في التربية والتعليم.
صنّف الإمام الغزالي حوالي مائة كتاب باللغتين العربية والفارسية، ويُعد كتاب “إحياء علوم الدين” أبرز مؤلفاته، حيث أراد به إحياء المعرفة الدينية الروحية، ولذلك قال العلماء: “كاد الإحياء أن يكون قرآناً” دلالة على أهميته. ومن كتبه المهمة أيضاً: “كيمياء السعادة” الذي صنفه بالفارسية، و”المنقذ من الضلال” في العقيدة، و”المستصفى” في الأصول، و”الوجيز” في الفقه، و”أيها الولد”.
وفي الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة 505 هـ، ودّع الغزالي الدنيا. يروى أنه توضأ وصلى الصبح، ثم طلب كفنه وقبّله وضعه على عينيه وقال: “سمعاً وطاعةً لأمر الملك”، ثم استلقى باتجاه القبلة وفاضت روحه إلى بارئها وهو في الخامسة والخمسين من عمره. رحمه الله
رحمة واسعة.
مصعب سيد علوي –



Post Comment