في عالمنا المعاصر، تتكاثر مظاهر الحروب والصراعات، فينحسر أفق السلام وتخبو مشاعل الأمل، بينما ترتفع أصوات العنف من كل حدب وصوب. وتتراجع القيم الإنسانية النبيلة كالمحبة والتعاون والرحمة، لتحلّ محلّها لغة الدم والدمار. لقد أصبحت الحروب سمةً بارزة لعصرٍ يتّسم بالتقدم التكنولوجي، لكنها للأسف، تُستخدم أدواته لتدمير الإنسان بدل إنقاذه، ولنشر الظلم بدل نشر العدل
إن الحروب الحديثة لا تعبأ بحياة الإنسان ولا بحقوقه، بل تسعى إلى سحق الآخر واجتثاثه، دون وازع من ضمير أو التزام بقيم إنسانية. فقد تهدمت بسببها حضارات، وانهارت بنيان دول كانت قد بلغت مراتب متقدمة في الفكر والعلم والتقنية.
وفي هذا السياق، تسعى معظم الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية، خوفًا من هجمات مباغتة، فامتلكت أنواعًا متطورة من الأسلحة: من القنابل الفتاكة والمدافع المتطورة إلى الدبابات والصواريخ بعيدة المدى. والأسوأ من ذلك أن بعض الدول عمدت إلى تصنيع أسلحة كيميائية وبيولوجية ونووية، مما زاد من شبح الفناء العالمي
وقد أدى هذا التنافس العسكري إلى ارتفاع هائل في الإنفاق الدفاعي. فوفقًا لتقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، تنفق الدول الكبرى – مثل الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الهند، وألمانيا – أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، وتنفرد الولايات المتحدة وحدها بنسبة 37%، تليها الصين بنسبة 12%، بحسب صحيفة The Indian Express
ولا تقتصر آثار الحروب على ساحة القتال، بل تمتد لتدمّر أوجه الحياة كافة: فتحصد الأرواح، وتهجّر الملايين، وتدمر البنى التحتية، وتُحدث اضطرابات اقتصادية، وتلوّث البيئة، وتُخلّف أمراضًا نفسيةً مزمنة في المجتمعات. لقد شهد التاريخ آلاف الحروب، أبرزها الحربان العالميتان الأولى والثانية، واللتان أودتا بحياة عشرات الملايين، وخلّفتا دمارًا شاملًا طال حتى المستشفيات والملاجئ
وتؤكد تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن عدد النازحين حول العالم بسبب النزاعات والاضطهادات في عام 2022 بلغ أكثر من 108.4 ملايين شخص. وفي “يوم الأغذية العالمي” 16 أكتوبر 2024، تم تقدير عدد الوفيات اليومية بسبب الجوع في مناطق النزاع بين 7,000 إلى 21,000 شخص، في مأساة إنسانية مروعة، لا سيما في دول مثل فلسطين، حيث يتعرض الأبرياء لجرائم قتل جماعي مستمرة
أما على مستوى التهديد النووي، فلا يزال التوتر قائمًا، خصوصًا في ظل احتكار الولايات المتحدة وروسيا لأكثر من 90% من الترسانة النووية العالمية، ما يثير القلق لدى بقية دول العالم. وقد شهدت المنطقة العربية أزمات مشابهة، كان أبرزها التوتر بين إسرائيل وإيران، والذي وصل حدّ التهديد بضرب المنشآت النووية المتبادلة، والتدخل الأمريكي المباشر ضد البنية النووية الإيرانية، قبل أن يتم التوصل إلى تهدئة هشة لا تزال قابلة للاشتعال في أية لحظة.
في ظل هذا الواقع، يبرز الإسلام كدين يوازن بين الحق في الدفاع والحرص على السلام. فرغم أن الحرب قد تكون ضرورة لرد العدوان أو رفع الظلم، إلا أن الشريعة الإسلامية قيّدتها بقيود أخلاقية صارمة، منها: قصر القتال على المقاتلين، وتحريم قتل الشيوخ، النساء، الأطفال، والرهبان، ومنع الاعتداء على المدنيين والممتلكات إلا بقدر الضرورة، والإحسان إلى الأسرى ومعاملتهم معاملة إنسانية كريمة
وقد أجمع الفقهاء على أن الحرب في الإسلام ليست غاية، بل وسيلة لرفع الظلم وتحقيق العدل، لا لبث الرعب ولا لإبادة الشعوب، على عكس ما نشهده اليوم من حروب تسعى إلى الهيمنة والقهر باسم المصالح أو العقائد.
إن تحقيق السلام العالمي لا يكون إلا باتباع قواعد الحرب العادلة، والتزام القيم الإنسانية في أوقات الصراع، ووضع حدّ للأنانية الدولية والتسلّط الإمبريالي، وتعزيز الحوار والتفاهم بين الأمم. فالعالم اليوم بحاجة ماسّة إلى صوت العقل والضمير، أكثر من حاجته إلى مزيد من الصواريخ والمدافع.
أمان الله ، كالكوت
ساحة الشيخ ابو بكر



Post Comment