themap.katib.in

دور التعليم في تشكيل القيم العلمانية والديمقراطية في الهند

تُعدُّ الهند واحدةً من أكثر دول العالم تنوعًا في الأديان واللغات والثقافات، وقد شكّل هذا التنوع أساسًا متينًا للوحدة الوطنية والتكامل المجتمعي. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه التعددية الثقافية مصدر قوة تعزّز من القيم الديمقراطية وتغذّي الوعي بالعلمانية في ضمير المجتمع الهندي. غير أنّ هذا النسيج الغني بالتنوع بات عرضة للتمزق في ظل تنامي بعض الأنشطة المناهضة للديمقراطية، المدفوعة غالبًا بغياب التعليم الواعي والمستنير. فالهند، بالرغم من مكانتها كأكبر ديمقراطية من حيث عدد السكان، لا تزال تُعاني من معدلات أمية مرتفعة تمثّل عائقًا حقيقيًّا أمام ترسيخ قيم العلمانية والديمقراطية.

في هذا السياق، تبرز أهمية التعليم بوصفه أداة محورية لتشكيل الوعي الجمعي وترسيخ المبادئ الدستورية. فالتعليم لا يقتصر على اكتساب المعارف فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل بناء الشخصية، وتنمية الفكر النقدي، وغرس قيم الاحترام والتعددية والانفتاح. وعبر مناهجه ومؤسساته، يُسهم التعليم في صناعة المواطن المسؤول القادر على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية.

وقد تأسست الدولة الهندية الحديثة على مبادئ الديمقراطية والعلمانية؛ حيث تعني الديمقراطية مشاركة الشعب في صنع القرار السياسي، بينما تضمن العلمانية حيادية الدولة تجاه جميع الأديان. وفي هذا الإطار، يؤدي التعليم دورًا بارزًا في تعزيز هاتين القيمتين، من خلال المقررات الدراسية التي تتناول الدستور الهندي، وتاريخ النضال من أجل الاستقلال، وسِيَر القادة الوطنيين أمثال: المهاتما غاندي، وجواهر لال نهرو، والدكتور بي. آر. أمبيدكار، الذين أسسوا للفكر الديمقراطي والعدالة الاجتماعية.

وتُسهم المدارس والكليات، من خلال مناهج التاريخ والعلوم المدنية والعلوم السياسية، في توعية الطلبة بهذه القيم، مما يُساعدهم على إدراك أهمية المساواة، وحقوق الإنسان، والتعايش السلمي. كما يضطلع المعلمون بدور فاعل في تفعيل النقاشات الحرة داخل الصفوف الدراسية، وتشجيع الطلبة على التعبير عن آرائهم، مما يخلق بيئة تعليمية قائمة على العدالة، والاحترام، والشفافية. وفي هذا المناخ التربوي، لا تُصبح الديمقراطية مجرد إجراء انتخابي، بل تتحول إلى أسلوب حياة يُمارسه الطالب في تعامله مع زملائه ومجتمعه.

رغم الجهود المبذولة لترسيخ القيم العلمانية والديمقراطية عبر النظام التعليمي، لا تزال هناك تحديات حقيقية تعيق هذا المسار. من أبرزها: التحيز الديني في بعض الكتب المدرسية، والتفاوت الإقليمي في محتوى المناهج، وانتقائية السرد التاريخي التي قد تُسهم في خلق تصورات مغلوطة لدى المتعلّمين. كما تشير تقارير إعلامية حديثة (2024) إلى أنّ بعض المؤسسات التعليمية الدينية (مثل المدارس الدينية “المدرسة”) تُركّز في مقرراتها على تعليم الدين بنسبة تصل إلى 30%، ما يُضعف حضور المفاهيم المدنية والعلمانية في هذه السياقات التعليمية، مقارنة بالمدارس الأخرى التابعة لمجالس التعليم الرسمية مثل “CBSE” أو “Higher Secondary”.

وفي ظل ما يشهده العالم من تصاعد لخطابات الكراهية، وانتشار المعلومات المضللة، والصراعات المبنية على الهوية، تزداد الحاجة إلى تعليم قادر على ترسيخ أسس المواطنة، وإعلاء قيم الحوار، وتعزيز ثقافة قبول الآخر. فالتعليم هو الحصن الحصين الذي يُمكّن المجتمعات من مواجهة الانقسامات، وبناء مستقبل أكثر عدالة واستقرارًا.

إنّ التعليم يُمثّل الدعامة الأساسية لترسيخ القيم العلمانية والديمقراطية في الهند، لا سيّما في ظل التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع في العصر الراهن نحو تلاعب حزب بهاراتيا جاناتا بنظام التصويت الذي كشف زعيم المعارضة راؤول غاندي للشعب الهندي هو مثال حديث على ذلك . ومن هنا، فإن الاستثمار في تطوير المناهج، وتدريب المعلمين، وضمان حيادية المؤسسات التعليمية، يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية لضمان استمرار التجربة الهندية كنموذج
.ناجح للتعددية والانفتاح والديمقراطية

-Muhammed Haris K Areeckode